زراعة

الوظيفة أم العمل الحر : سؤال العصر

الوظيفة أم العمل الحر : سؤال العصر – محمد حسن فرج الله

الوظيفة في القطاع العام أو الخاص قد تكون هي البداية الصحيحة لأنها توفر الخبرة العملية و المهارة الاجتماعية و القيادية في التعامل مع مجموعات زملاء العمل و مع المستفيدين , كما انها تتيح بناء اطياف وشبكات متنوعة من العلاقات و قد تستجيب لبعض الاحتياجات الاساسية المهمة للمبتدئين, وقد تتيح الحصول علي رأس المال لبعض الناس و لكنها مع مرور الزمن و تقدم العمر تواجه مفارقات صعبة ربما يكون الانتقال الي فضاء العمل الحر هو الاجابة الوحيدة عليها ومنها :

الدخل و المنصرف

الدخل و المنصرف مع مرور الزمن يتقاصر المدخول المادي عن تلبية احتياجات الموظف التي تتزايد مع تقدمه في السلك الوظيفي و المترافق مع احساس متنامي بالاستحقاق بعد كل هذه السنوات في الخدمة و مع تسنم مواقع وظيفية غالباً لا تتناسب مخصصاتها المالية مع درجتها الوظيفية أو مع التطلعات الي حياة اكثر رخاءً و أقل عناءً ، مضافاً الي ذلك زيادة عدد افراد الاسرة و تقدم الابناء في المدرّج التعليمي و ما يرتبط بذلك من ضغط مادي إضافي.

التقدير و الهيكل الوظيفي

التقدير و الهيكل الوظيفي الرضا الوظيفي لا يرتبط بالدخل المادي فقط و لكن ربما كان العامل الاهم في تحققه هو الحصول علي التقدير المعنوي والذي تكمن أهم تجلياته في الحصول علي ترقيات و ظيفية و قيادية تمنح صاحبها طبيعة عمل اقل اعتمادا علي الجهد البدني و علي تنفيذ رؤي و استراتيجيات و افكار قد لا تتوافق بالضرورة مع مرئيات الموظف و مقارباته لجوهر وشكل المشاكل و التحديات في العمل و الواجبات الوظيفية ، و كل هذه التوقعات غالباً ما تصطدم بواقع التصميم الهرمي للهياكل الوظيفية التي تضيق الي الأعلي ولا تفسح مكاناً إلا لقلة قليلة من المحظوظ .

تضارب القيّم

تضارب القيّم في بداية الحياة العملية يكون هم الحصول علي أي عمل هو الشغل الشاغل لأي مبتدئ ، و سيغطي هذا الهم علي أي جوانب أخري و يبعدها عن الدائرة المرئية سواء بشكل واع أو غير واع أو ربما يؤجلها علي احسن الفروض الي أوقات أخري ، صراع الإنسان مع الطبيعة القاسية عبر القرون علّمه أن التأجيل لا يمكن تجنبه في كل الأوقات ومع مرور الزمن علي مقعد الوظيفة سيطفو الصراع المؤجل بين قيم المؤسسة الوظيفية و القيم الذاتية الي السطح .

و حينها يختار البعض الحل الأسهل و يسبح مع التيار مسلماً عقله و ضميره و احلامه الي مبررات الواقع و يختار آخرون الخيار الاقرب الي المستحيل و يحاولون ان يقودوا التغيير داخل مؤسساتهم بينما يمضي قلة من الشجعان الي الخيار الأصعب و يغادرون مرافئ الوظيفة الآمنة إلي لجج الحياة و العمل الحر و أهواله .و هذا خيار أصعب من البقاء و محاولة التغيير ، وفي بعض الأحيان تكون محاولة المستحيل التي تظل محاولة يمكن التراجع عنها ، أسهل من المضي قُدماً الي ارتياد طريق العمل الحر الموحش و المفتوح علي كل الاحتمالات عدا احتمال العودة و التراجع.

ماذا تريد :

ما أريده و ما يريده لي الآخرون الحياة رحلة طويلة لابد أن تصل فيها العربة يوماً الي خط النهاية ، هذا قضاء محتوم علي بني الإنسان ، وعندما تلوح رايات النهاية ربما كان السؤال الاهم الذي سيسأله كل واحد لنفسه هو

هل عشت كما أردت أن أعيش أم كما أراد لي الآخرون ، و ربما كانت الإجابة علي هذا السؤال هي المحدد الأساسي لمقدار المحصلة النهائية لغلِة السعادة و الرضا في لحظة الخروج من ضيق الحياة الدنيا إلي سديم الأبدية و يالها من لحظة تتقاذم دونها كل اللحظات، و الطريق الي الحياة الحرة لا يمكن أن يمر إلا عبر العمل الحر الذي لا يخضع للاملاءات و لا التنازلات ولا التلفيق الزائف أو التوفيق الجبان.ما العمل ؟الإختيار بين البقاء في الوظيفة أو الذهاب الي العمل الحر ليس خيارًا مطلقاً لا يعتمد علي المتغيرات

، و لكنه يخضع للفروق الفردية في السمات الشخصية و ما يترتب عليها من تفضيلات في التعامل مع الآخرين و مع الروتين و في الجنوح الي المغامرة و تحمل المخاطرة ، كما أنه بالضرورة محكوم بتوفر الظروف الأسرية و المادية المناسبة و قد يكون الخيار الأمثل لبعض الناس هو تغيير المؤسسة الوظيفية بدلاً عن هجرة العمل الوظيفي كله ، و من البديهي أن ما يناسب البعض قد لا يناسب الكل

، ولكن الفهم الصحيح و العميق للنفس و المعرفة المبصرة بنقاط الضعف و القوة و بالظروف التاريخية هو المدخل الحقيقي للاختيار الصحيح الذي يمكن تحمل عقابيله لأن الاختيار يفضي إلي المسئولية و لا مناص من الإختيار ، فأختار لنفسك فإنه لا خيار لمن لا يختار !

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى